Monthly Archives: October 2018

قراءة في الاتفاق النووي الإيراني

قراءة في الاتفاق النووي الإيراني

في يوم الثلاثاء ٨ مايو ٢٠١٨، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنسحاب دولته من الإتفاق النووي الإيراني بعد ترقب وإنتظار طويل.
لم يكن قرار دونالد ترمب مفاجئا أو غريبا على الساحة الدولية حيث أنه كان يندد بهذا الإتفاق الذي وصفه “بالفاسد والمتعفن” منذ الحملات الانتخابية في عام ٢٠١٦. ولكن بلا شك، عدم إلتزامه بالإتفاقية أغضب الكثير من الدول الحليفة للولايات المتحدة وخاصة الدول الأوروبية.
حيث أشارت الكثير من الدول وخاصة الأوروبية بفعالية الاتفاق النووي، أو بما يسمى خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA Joint Comprehensive Plan of Action، وأنها كانت تعمل بشكل جيد، أو على الأقل كانت ستؤجل أي نية أو قدرة لإيران لاستكمال خطتها النووية.
خطة العمل الشاملة المشتركة هو مستند اتفاقية بين إيران حول برنامجها النووي والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي- الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة بالإضافة الى المانيا-. وافقت فيه الحكومة الإيرانية على التخلي عن أجزاء من خطتها النووية مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها.تدريجيًا. يتخوف البعض من الاتفاقية لأنها لا تناقش برنامج إيران للصواريخ البالستية ولا تذكر بالتفصيل أي شيء يتعلق بالأنشطة النووية بعد عام ٢٠٢٥ وهو تاريخ انتهاء الاتفاقية. المثير للأهمية أن الاتفاقية لا تشمل سلوك وتوجهات إيران في منطقة الشرق الأوسط وتدخلها في شؤون الدول المجاورة والتي أشار اليها ترمب عند الغاء هذه الاتفاقية. وذلك يزيد من تعقيد الإتفاقية التي يصفها الغالبية بعدم الشمولية. وحتى الدول الأوروبية المؤيدة للإتفاقية تعترض على تجاهل الصلة بين أفعال إيران في المنطقة وبرنامجها النووي.
كانت هذه الاتفاقية بقيادة الرئيس الإيراني حسن روحاني-الذي وصفته أمريكا بالمعتدل- الذي عارضه الكثير من الإيرانين آنذاك للدخول في هذه الإتفاقية، وعندما أقتربت هذه الإتفاقية من النجاح، أتى قرار الرئيس الأمريكي بالأمس ليشًل من أقدام روحاني ويعقد الوضع السياسي في إيران بشكل أكبر. ولقد أدلى الرئيس الإيراني بتصريحه بعد إعلان ترمب عن الإنسحاب، محذرا ترمب بأن إيران تستطيع أن تستئنف تخصيب اليورانيوم دون أي حدود، مؤكدا أن الإتفاقية لا تزال متعددة الأطراف وليست فقط مع الولايات المتحدة.
بالرغم من المعارضات من حلفائه الأوروبيين، لم يكتفي الرئيس الأمريكي بإنسحاب دولته من الإتفاقية النووية ولكنه أكَد بأنه سيعيد فرض العقوبات الاقتصادية التي تم التنازل عنها عندما تم توقيع الصفقة في عام ٢٠١٥. وصرحت وزارة الخزانة الأمريكية أن العقوبات الإقتصادية لن يعاد فرضها على الفور ، ولكنها ستخضع لفترة تمتد من ٩٠ إلى ١٨٠ يومًا حتى تهدأ الأوضاع. ويعلل الرئيس الأمريكي سبب ذلك بأن إيران لم تلتزم بشروط الإتفاق على الإطلاق ومازالت مصدر توتر في منطقة الشرق الأوسط. واسترجاع إيران لما يقارب ال ١٠٠مليار دولار بعد رفع العقوبات سوف يمكنها من الإستمرار في تمويل الإرهاب في المنطقة.
إن العقوبات الجديدة التي سوف تفرضها الولايات المتحدة لن تؤثر فقط على إقتصاد إيران المتهالك، ولكن أيضا على الشركات الأجنبية (الغير أمريكية) التي تتعامل مع طهران، وذلك يسبب مشكلة أكبر في الساحة الإقتصادية والدولية.
من جانب آخر، في حين معارضة أغلب الدول الحليفة لأمريكا للقرار، أيدت السعودية والإمارات وبعض الدول الأخرى انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الإتفاق النووي، ودعمت قرار ترمب بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، حيث تعد المملكة العربية السعودية من أكبر المتضررين في حال إتمام الاتفاقية نظرا للموقف الإيراني العدائي في المنطقة في سوريا، ولبنان، واليمن وغير ذلك.

كل ما يحدث الآن يجعلنا نتسائل عن التعارض بين التوجه الأمريكي والأوروبي وما إذا كان هنالك عوامل أعمق مما هو مطروح، فبالرغم من انسحاب أقوى دولة من الإتفاقية النووية، إلا أن موقف إيران الآن أصبح بين نارين تتلظى، نار العقوبات الشديدة وإلتزامها مع الإتفاقية النووية مع باقي الدول. ولا يمكننا الحكم مبكرًا، حيث ستشهد الأسابيع المقبلة الكثير من المتغيرات.

ومن ناحية نجد أنه في نفس الوقت لا يمكننا تجاهل ارتباط المفاوضات النووية الأمريكية-الإيرانية والمفاوضات الأمريكية مع كوريا الشمالية التي تحدث في الوقت ذاته. واقعيًا، يٌمكننا أن ننظر في وضع كوريا الشمالية بحالتين. الأول أن قرار الرئيس ترمب لخرق الإتفاق النووي مع إيران سيكون تهديدا للمفاوضات النووية القائمة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. لذلك، إنه من السهل أن تضر الخطوة التي قام بها ترمب بالأمس، بأي تعاون مستقبلي محتمل مع كوريا الشمالية. الثاني، أن إستمالة كوريا الشمالية لأمريكا من جهة، وفرض أمريكا المزيد من العقوبات على إيران يزيد من إحتمالية فقدان إيران لحليفها النووي- كوريا الشمالية.
ستوضح الكثير من التساؤلات والاحتمالات حينما يلتقي الرئيس دونالد ترمب مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون في سنغافورة بتاريخ١٢ يونيو ٢٠١٨.
إضافة إلى ذلك، روسيا والصين يلعبان دورا هاماً في هذه الاتفاقية، خاصة وأن لديهم مصالح مشتركة مع إيران في منطقة الشرق الأوسط. أعربت الحكومتين عن رفضهم قرار ترمب للانسحاب مؤكدين بأن الاتفاق ليس ملكا للولايات المتحدة فقط ولكنه انجاز للمجتمع الدولي كله.

وأخيرا، هناك سلسلة من الأسئلة التي تدور في أذهاننا، ربما تقودنا مستقبلًا لأفكار بحثية أخرى. كيف سيتمكن الرئيس دونالد ترمب من إدارة مفاوضات معقدة للغاية مع كوريا الشمالية في الوقت التي تحاول فيه إدارة عملية إعادة التفاوض مع طهران وكذلك الاتحاد الأوروبي؟ ناهيك عن القضايا الداخلية في الولايات المتحدة التي تتطلب تركيزًا عاليا.
هل تحمل الأيام القادمة المزيد من الصراعات في منطقة الشرق الأوسط؟ أم سيكون هذا القرار سبب في إستقرار المنطقة بعد سنوات من الفوضى؟